المقريزي

283

رسائل المقريزي

البنية . ولذلك زعم بعض العلماء المتقدمين : « أن النحل أشبه الحيوان في تدبير أمرها بالإنسان » ثم قال : « أمرهنّ شبيه بأمير يسوس المدائن الكثيرة الأهل » . والنحل تبنى لملوكها بيوتا على حدة تكون فيها ؛ وكذلك تبنى لذكورها . وزعم بعضهم أن الذكور تنفرد ببناء بيوتها ، والذكور لا تعمل شيئا ، والعمل للإناث ، وهي تقوّت ملوكها وذكورها . وليس للنّحل أقوات إلّا العسل . والذّكور لا تكاد تخرج إلا إذا أحبّت أن تحرك أبدانها لتخفّ ، فإنها حينئذ تخرج بأجمعها ، فترتفع في الهواء فتدوّى ، ثم ترجع ، فتدخل الخليّة . وإذا كان الزّمان جدبا ، وقلّ العسل ، قتلت النحل ذكورها ، وكثيرا ما يهرب النحل الذّكور إذا أحسّت بذلك ، فترى واقعة على ظهور الخلايا خارجا ، وهذا شاهد على ما ذكروا من شحّ النحل على العسل وشفقتها عليه ، والحرص على الادّخار ، والأخذ بالوثيقة عند سوء الظنّ ، مع طيب النفس ، والسلس « 1 » عند رخاء البال ، وإمكان الكسب ، وإن هذا لخلق عجيب ، وفهم لطيف . وكذلك ما ذكروا من طردها ذوات البطالة منها ، الكسالى ، المتكلة على كسب غيرها ، والمعوّلة على ذخائر سواها ؛ ولو أننا استعملنا مثل هذا التدبير في كسالانا كان أحزم لنا وأنفع لهم . ومن الشاهد على أنها لأنفسها ادّخرت ما في بيوتها ، وما جمعت من كدّها لا لغير ذلك ، شدّة شحّها عليه ، وضنّها به ، وذبّها عنه ، وولهها إذا عرض له ، وإلقاؤها أنفسها في المهالك ، فإنها تقاتل كل شيء عرض لذخائرها ، ثم لا تهرب منه - كائنا ما كان - إلا ما كان من أمثالها من النّحل ؛ فإنه ربما أراد بعضها الغارة على بعض ، فاقتتلت حتى يقتل بعضها بعضا ، أو يهزمه ، فيهرب المقهور منها - حينئذ - ويسلم حوزته .

--> ( 1 ) السّلس : السهل اللّيّن المنقاد . القاموس ( 2 / 593 ) .